ابن فهد الحلي
207
عدة الداعي ونجاح الساعي
بين أن يترك العمل خوفا من أن يقولوا : انه مراء ، وبين أن يحسن العمل خوفا من أن يقولوا : انه غافل مقصر ؟ . الثالث طاعة الشيطان فيما دعا إليه وحصول سرور له لان همه أن يطاع . واعلم أن للنفس هنا مكيدة خبيثة من مكائد الشيطان الخبيث فتحفظ منها وتفطن لها وهو ان يقول لك : اترك العمل اشفاقا على المؤمنين من وقوعهم في الاثم بظن السوء ، وإذا كان ترك العمل على جهة الاشفاق عليهم ونظرا لهم من الوقوع في الاثم كنت مثابا ، وقام ذلك مقام العمل لان نظر المصلحة للمسلمين حسنة فيعادل الثواب الحاصل من الدعاء بل هذا نفع متعد إلى الغير فكان أفضل . والجواب ان هذا الخيال من غوايل ( 1 ) النفس الامارة المايلة ! إلى الكسل والبطالة ومكيدة عظيمة من الشيطان الخبيث لما لم بجد إليك مسلكا قصدك من هذا الطريق وزين لك هذا التنميق ( 2 ) ووجه فساده يظهر من وجوه : الأول انه عجل لك الوقوع في الاثم المتيقن فإنك ظننت ان يظنوا بك أنك مراء وهذا ظن سوء ، وعلى تقدير وقوعه منهم يلحقهم به اثم ، وظنك هذا بهم أيضا ظن سوء يلحقك به الاثم إذا لم يكن مطابقا لما ظننت بهم ( 3 ) وتركت العمل من أجله فعدلت من ظن موهوم إلى اثم معلوم ، وحذرا من لزوم اثم لغيرك أوقعت فيه نفسك . الثاني انك إذا وافقت إرادة الشيطان بترك العمل الذي هو مراده ، وترك العمل والبطالة موجب لاجتراء الشيطان عليك وتمكنه منك لان ذكره تعالى والتولي ( المثول ) ( 4 ) في خدمته يقربك منه ، وبقدر ما تقرب منه تبعد من الشيطان ، وا ن فيه موافقه للنفس الامارة بميلها إلى الكسل والبطالة وهما ينبوع آفات كثيرة تعرفها إن كان لك بصيرة .
--> ( 1 ) الغوائل جمع غايلة وهي الحقد ( المجمع ) . ( 2 ) نمق الكتاب تنميقا : زينه بالكتابة ( المجمع ) . ( 3 ) قد مر آنفا في ص 206 معنى ظن السوء وحرمته ذيلا . ( 4 ) مثل بين يديه مثولا : انتصب قائما ( ص ) .